عبد الرحمن السهيلي

197

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

ذكر الكشي ، وهو عبد بن حميد قال : نا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال : جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، وقبل أن تنزل الجمعة ، وهم الذين سموا الجمعة ، قال الأنصار : لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام ، وللنصارى مثل ذلك ، فهلم ، فلنجعل يوماً نجتمع فيه ، ونذكر الله ، ونصلي ونشكر ، أو كما قالوا ، فقالوا : يوم السبت لليهود ، ويوم الأحد للنصارى ، فاجعلوا يوم العروبة ، كانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة ، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة ، فصلى بهم يومئذ ركعتين ، فذكرهم ، فسموا الجمعة حين اجتمعوا إليه ، فذبح لهم شاةً فتغدوا وتعشوا من شاة ، وذلك لقلتهم ، فأنزل الله عز وجل في ذلك : « إِذا نُودِي للصلاةِ مِنْ يَوم الجُمعة فاسعَوْا إلى ذكر اللّه » الجمعة . قال المؤلف : ومع توفيق الله لهم إليه ، فيبعد أن يكون فعلهم ذلك عن غير إذن من النبي صلى الله عليه وسلم لهم ، فقد روى الدارقطني عن عثمان بن أحمد بن السماك ، قال : نا أحمد بن محمد بن غالب الباهلي ، قال : نا محمد بن عبد الله أبو زيد المدني ، قال : نا المغيرة بن عبد الرحمن ، قال : حدثني مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ، قال : أذن النبي صلى الله عليه وسلم بالجمعة قبل أن يهاجر ، ولم يستطع : رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بمكة ، ولا يبدي لهم ، فكتب إلى مصعب بن عمير : أما بعد : فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم ، فأجمعوا نساءكم وأبناءكم ، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة ، فتقربوا إلى الله بركعتين قال : فأول من جمع : مصعب بن عمير ، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فجمع عند الزوال من الظهر ، وأظهر ذلك ، ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم أضلته اليهود والنصارى ، وهداكم الله إليه فيما ذكر أهل العلم أن اليهود أمروا بيوم من الأسبوع ، يعظمون الله فيه ، ويتفرغون لعبادته ، فاختاروا من قبل أنفسهم السبت فألزموه في شرعهم ، كذلك النصارى أمروا على لسان عيسى بيوم من الأسبوع ، فاختاروا من قبل أنفسهم الأحد ، فألزموه شرعاً لهم . قال المؤلف : وكان اليهود إنما اختاروا السبت ، لأنهم اعتقدوه اليوم السابع ، ثم زادوا لكفرهم أن الله استراح فيه ، تعالى الله عن قولهم ، لأن بدء الخلق عندهم الأحد ، وآخر الستة الأيام التي خلق الله فيها الخلق الجمعة ، وهو أيضاً مذهب النصارى ، فاختاروا الأحد ، لأنه أول الأيام في زعمهم ، وقد شهد الرسول صلى الله عليه وسلم للفريقين بإضلال اليوم ، وقال في صحيح مسلم : إن الله خلق التربة يوم السبت ، فبين أن أول الأيام التي خلق الله فيها الخلق السبت ، وآخر الأيام الستة إذاً الخميس ، وكذلك قال ابن إسحاق فيما ذكر عنه الطبري ، وفي الأثر أن يوم الجمعة سمي الجمعة ، لأنه جمع فيه خلق آدم ، روي ذلك عن سلمان وغيره ، وقد قدمنا في حديث الكشي أن الأنصار سموه جمعةً لاجتماعهم فيه ، فهداهم الله إلى التسمية ، وهداهم إلى اختيار اليوم ، وموافقة الحكمة أن الله تعالى لما بدأ فيه خلق أبينا آدم ، وجعل فيه بدء هذا الجنس ، وهو البشر ، وجعل فيه أيضاً فناءهم وانقضاءهم إذ فيه تقوم الساعة ، وجب أن يكون يوم ذكر وعبادة ، لأنه تذكرة بالمبدأ ، وتذكرة بالمعاد ، وانظر إلى قوله تعالى : « فاسعَوْا إلى ذكرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْع » الجمعة وخص البيع لأنه يوم يذكر باليوم الذي لا بيع فيه ولا خلة مع أنه وتر للأيام التي قبله في الأصح من القول ، والله يحب الوتر ، لأنه من أسمائه فكان من هدى الله لهذه الأمة أن ألهموا إليه ثم أقروا عليه لما وافقوا الحكمة فيه ، فهم الآخرون السابقون يوم القيامة ، كما قال عليه السلام ، كما أن اليوم الذي اختاروه سابق لما اختارته اليهود والنصارى ، ومتقدم عليه ، ولذلك كان يقرأ